قبل عشر دقائق.. لماذا أوقف ترامب الضربة العسكرية لإيران؟ معاذ محمد الحاج أحمد


تم النشر 09 يوليو 2019


عدد المشاهدات: 127

أضيف بواسطة : أ.مهند محمد


"كنا جاهزين للرد على إيران لكنني قررت وقف الضربة قبل 10 دقائق من تنفيذها؛ لأن الرد لا يتناسب مع إسقاط طائرة مسيرة غير مأهولة"، بهذه الكلمات برر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره المفاجئ بالتخلي عن الخيار العسكري ضد إيران الذي كان في مراحله النهائية رداً على إسقاط الدفاعات الصاروخية للحرس الثوري الإيراني طائرة أمريكية مسيرة من طراز "MQ-4C تريتون" فوق مضيق هرمز، إثر تجاوزها المجال الجوي الإيراني وتنفيذ طلعات تجسس ومراقبة لمنشآتها العسكرية والأمنية. 

ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس ترامب قد أعرب عن تقززه من كبار مستشاري الأمن القومي الذين كانوا يدفعونه بغباء لتوجيه ضربة عسكرية لإيران قائلاً: "هؤلاء القوم يريدون دفعنا للدخول في حرب.. الأمر مقزز ولا نريد الانخراط بمزيد من الحروب"، ومن ثَم أتبع الرئيس الأمريكي قراره الضعيف هذا بموقف أكثر ارتباكاً من وجهة نظر الكثير من المتابعين لمجريات الأزمة بين طهران وواشنطن إذ أعلن صراحة استعداده لمقابلة الرئيس الإيراني حسن روحاني وجهاً لوجه دون شروط مسبقة لنزع فتيل الأزمة على طاولة المباحثات.
 

  •  
  •  
من الناحية النفسية فيرى ترامب بنرجسيته المفرطة أنه قائدٌ فريدٌ وسياسيٌ استثنائيٌ يستطيع فعل كل ما عجز عنه الحكام السابقون للبيت الأبيض، وفتح الملفات الصعبة، والجلوس مع خصوم أمريكا وجهاً لوجه لمجرد الدعاية الإعلامية الموجهة للداخل الأمريكي

تدريجياً تتوالى المواقف وتتضح وجهة ترامب الحقيقية الذي لا يريد أي عمل عسكري ضد إيران، أو فتح أي جبهات جديدة كما تعهد بذلك مراراً أمام ناخبيه، متهماً الإدارات السابقة بتوريط أمريكا في الكثير من الحروب العبثية والمعارك الخاسرة التي استنزفت الموارد الاقتصادية والبشرية للولايات المتحدة. كان من الأفضل حسب وجهة نظر ترامب إتباع سياسة اللاحرب واللاسلام أو ما يُعرف باستراتيجية "حافة الهاوية"، التي تمارس الولايات المتحدة من خلالها أقصى درجات الخنق الاقتصادي والمالي دون اللجوء للقوة النارية المباشرة؛ لإرغام الطرف الإيراني على الرضوخ للمطالب الأمريكية، ومعالجة التحفظات التي دفعت إدارة ترامب للانسحاب الأحادي من اتفاق النووي المبرم بين إيران والدول الغربية. 

لكن لماذا تراجع ترامب عن استخدام الخيار العسكري ضد إيران في اللحظات الأخيرة طالما أن أمريكا هي القوة الأكبر والأقوى في العالم، وبمقدوره توجيه رد ساحق ماحق يمحو إيران عن الخارطة، ويرغمها على قبول الشروط الأمريكية صاغرة ذليلة؟ فلسفياً يمكن ربط عدول ترامب عن الضربة العسكرية برؤيته الانعزالية التي ترفض لعب دور الشرطي أو الدولة القائدة في العالم، ويعتبر التدخل في شؤون الدول الأخرى باهظ الثمن، وعلى حساب رفاهية المواطن الأمريكي الذي أدى تحرك القوات العسكرية الأمريكية خارج حدود الأطلسي إلى حرمانه من الكثير من الفرص، والزج به في مستنقع البطالة، وتذبذب مستوى الخدمات. 

وبذلك يقترب ترامب كثيراً من مبدأ "مونرو"، الذي قامت عليه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ عشرينيات القرن التاسع عشر حتى الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، حيث عرض الرئيس الأمريكي الخامس "جيمس مونرو" عام 1823 في خطابه أمام الكونغرس رؤيته لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ودول أوروبا القديمة مطالباً: "بضرورة عدم مد الدول الأوروبية نفوذها الاستعماري نحو قارات العالم الجديد في مقابل التزام الولايات المتحدة من جانبها بعدم التدخل في المشكلات أو العلاقات الأوروبية". غير أن سياسة الإحجام عن التدخل في السياسة الأوروبية بمفهوم مونرو تختلف شكلاً ومضموناً عن استراتيجية اللاحرب التي ينتهجها ترامب في علاقته مع إيران وغيرها من الدول التي لا تسير في الفلك الأمريكي. 

فمونرو يرمي من مبدأه هذا قطع دابر الوجود الأوروبي في أمريكا اللاتينية كي تبقى الحظيرة الخلفية للولايات المتحدة تمهيداً لاستعمارها والهيمنة عليها، في حين يرى التاجر ترامب أن ترويض الدول المارقة يكون أكثر فاعلية إذا جاء من بوابة الاقتصاد والمال، ولا حاجة لنزول الجند وحشد القطع العسكرية طالما أن أمريكا تتحكم بمعظم موارد الاستثمار في العالم. كذلك ليس هنالك أي فائدة من انخراط الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية؛ لأن ذلك يضعف القرار السيادي الأمريكي ويفرض عليها الكثير من الالتزامات والقيود. فأمريكا بحاجة إلى كل دولار يصرف في الأزمات الدولية أو الحروب العبثية التي يدفع فاتورتها المواطن الأمريكي مقابل توفير الأمن لبعض الدول الصغيرة الثرية التي لابد أن تتحمل نفقات الحماية. 

أما من الناحية النفسية فيرى ترامب بنرجسيته المفرطة أنه قائدٌ فريدٌ وسياسيٌ استثنائيٌ يستطيع فعل كل ما عجز عنه الحكام السابقون للبيت الأبيض، وفتح الملفات الصعبة، والجلوس مع خصوم أمريكا وجهاً لوجه لمجرد الدعاية الإعلامية الموجهة للداخل الأمريكي، دون النظر كثيراً لما تتمخض عنه اللقاءات. 
فقد حرص ترامب على عقد أكثر من لقاء مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون ومصافحته في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وألغى حل الدولتين، وانسحب من اتفاق النووي الموقع بين إيران والدول الغربية، وشن حرباً تجارية على الصين، وفرض عقوبات على روسيا، وهمش الأمم المتحدة، وعمل على إضعاف الناتو، وألقى بذور الفناء في الاتحاد الأوروبي، وانسحب من الكثير من المعاهدات الدولية، وأقال كبار موظفيه بتغريدة وأعلن عن مواقفه الرسمية الحساسة سيبرانيا، وتعهد بإقامة الأسوار العازلة بين بلاده والمكسيك، وتنصل من مسؤولياته تجاه قضية اغتيال خاشقجي وغيرها من الديناميكيات السياسية التي شكلت انقلاباً صريحاً على الأنظمة الإدارية الحاكمة في الولايات المتحدة. 

ولعل أبرز الملفات التي تظهر فيها طبيعة السلوك الترامبي الاستثنائي ونظرته الاستعلائية تعامله الأهوج مع الاتفاق النووي الإيراني، وخروجه الأحادي من الاتفاق، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران؛ لتحسين شروط التفاوض وسد الثغرات الفظيعة في الاتفاق الذي يعتبره الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، رغم موجة الاستياء الواسعة في الأوساط الأوروبية. يريد ترامب أن يقنع الشارع الأمريكي أن إدارة أوباما كانت ضعيفة أمام إيران، وتهاونت في الأمن القومي الأمريكي، وقبلت بالكثير من الشروط المجحفة التي ساعدت إيران على تكديس منظومة متطورة من الصواريخ البالستية، ووسعت نفوذها في المنطقة، ولم تنهي طموحاتها في امتلاك الطاقة النووية.



وفي الداخل الأمريكي يواجه ترامب تداعيات تقرير المحقق الخاص روبرت مولر بشأن التدخل الروسي المحتمل في انتخابات 2016 التي أوصلته إلى البيت الأبيض، والصراعات المتفاقمة بينه وبين المؤسسات العميقة التي يعتبرها معادية له وتحاول تجريده من صلاحياته الرئاسية في ظل رغبته بالترشح لولاية رئاسية ثانية، وتخوفه الشديد من تراجع شعبيته لصالح الحزب الديموقراطي. ليس هناك علاقة كبيرة بين التصعيد الأمريكي غير المسبوق ضد إيران وقرب إعلان صفقة القرن كما يضج بذلك طيف واسع من المحللين السياسيين بقدر ما هنالك من ارتباط وثيق بين الضغط الأمريكي على طهران ورغبة ترامب في حلب المزيد من الأموال السعودية والخليجية عبر إشعال بعض الحرائق الإقليمية الوهمية، واستثمار الحرب المفترضة في المنطقة لدعم اقتصاد بلاده والترويج لصفقات السلاح، وتحفيز دول الخليج على إغداق المزيد من المليارات نظير الأمن والحماية التي تقدمها الولايات المتحدة لهذه البلدان التي لا تستطيع الصمود أسبوعاً واحداً أمام الأطماع الإيرانية لولا الوجود الأمريكي في الخليج.

الولايات المتحدة لا تريد القضاء على إيران في الوقت الراهن كما لم تفعلها من ذي قبل رغم تأزم العلاقات بين البلدين بعد انتصار الثورة الخمينية عام 1979؛ لأن إيران هي الدولة القائدة للمشروع الشيعي المجابه لأي قوة سنية ناشئة، والقادرة على افتعال الأزمات وضرب استقرار الدول السنية من خلال أذرعها العنكبوتية، والمستعدة للقيام بدورها الوظيفي في الصراع المذهبي والتنافس الإقليمي الذي يقوم بالأساس على تفتيت دول الطوق المحيطة بإسرائيل وتمزيقها مع ضمان استنزاف إيران في نفس الوقت؛ لإنضاج الفوضى الخلاقة وتشكيل الشرق الأوسط الجديد. ورغم أن قرار ترامب بالتخلي عن العمل العسكري من المتوقع أن يعطي إيران نفساً أطول في المعركة ويجعلها أكثر شراسة وتصلباً في موقفها الرافض للمفاوضات تحت مطرقة العقوبات، إلا أن الإدارة الأمريكية تُعول على عامل الوقت لإنضاج الظروف المواتية للحوار والحصول على المزيد من التنازلات من قبل القيادة الإيرانية التي تترنح بفعل سياسة الخنق الاقتصادي، وتصفير صادراتها النفطية، ورفع حالة الضغط إلى أقصى مستوى. 

الأمر ليس مجرد تأويلات متفائلة أو متشائمة بمصير الأزمة بين طهران وواشنطن، أو قلق الولايات المتحدة من طبيعة الرد الإيراني الذي جرى اختباره في مناسبات عديدة في سوريا، فما زال هنالك متسعٌ للحوار، "وما على حكومة طهران سوى الدخول من الباب المفتوح"، الذي يراه مستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتن"، وذلك بالمزاوجة الصعبة بين التهديد باستخدام القوة الماحقة والتلميح بإمكانية المفاوضات. فهل يملك الصهيوني بولتن الملطخ تاريخه بالحروب والعداء للشعوب والقوميات الأخرى اللباقة الدبلوماسية المناسبة لنزع فتيل الأزمة؟ وهل أصبحت خيارات إيران محدودة للغاية وهامش المناورة لا يسمح بتضييع المزيد من الوقت؟




- انشر الخبر -