(حَنانيا.. وبعد هذا؛ من منا لن يحج)! بقلم أ.عبدالله الأسطل


تم النشر 16 أغسطس 2018


عدد المشاهدات: 177

أضيف بواسطة : أ.محمد سالم


(حَنانيا.. وبعد هذا؛ من منا لن يحج)!
(بُشراكُم يا أهل ذا الموقف الذي .. به يغفرُ الله الذنوبَ ويرحمُ فكم من عتيق فيه كُمّل عتقُه .. وآخر يستسعى وربُّكَ أكرمُ)! آيا أيام البياض: عذابي فيكِ أعذب، إنما تبتلي بألم الاعتياد في الجوع؛ لتستعذِب بها حلاوة الوصل! فألا إن الوصول قبل الحصول ! يُحكى أن شيخاً أراد الحج، وكان معهُ شاب، فلما ركب الشيخ على البعير قال: (لبيكَ اللهم لبيك)!، فسمعا مُنادياً يقول: (لا لبيكَ ولا سعديكَ)! إلتفت الشابُ إلى الشيخ، وقال: أسمِعت..؟! قال الشيخ: نعم! مُنذُ سنوات طوال وأنا كُلما لبيت للحج؛ سمعتُ هذا المُنادي! فقال الشاب: وتحُج..؟! فهتف الشيخ: (نعم)! (وما لي غير بابي الله بابٌ .. ولا مولاً سواهُ ولا مُجيبُ) ! هكذا القلب يُقبل على ربه مهما كان منه، ومهما كان فيه.. إنه لم يجعل قلبه معصوماً بغمامة الحُزن والقعود، ولم يجعل عبادته خافتة الضوء لتهرول الوحشة في أودية صدره، بل سكب بها الحياة وأنفاس القُرب! فالواجب منا أن نُكرر التوبة وإن تكرر منا النقض! قال ابن عطاء -رضوان الله عليه-: (ولا تقطع يأسك وتقول كم أتوب وأنقض! فالمريض يرجو الحياة ما دامت فيه الروح)! (يا ربِ إن عظمت ذنوبي كثرةً .. فلقد علمتُ بأن عفوَك أعظمُ أدعوك ربي كما أمرت تضرُعاً .. فإذا رددتُ يدي فمن ذا يرحمُ)! ها قد أقبلت أيام غذاء الروح! فالدُعاء وإطالة السجود وكثرة القيام مع نتف الأعشاب الطُفيلية التي على القلب، تلك التي نمت على ضفافِ مسارب ذواتنا.. لهو كفيلٌ بإعطائنا الطاقة للتزحزُح خطوات للأمام! فالسلام لك أيُها التائب ولقلبك! وقبل أن ندخل في أفضل أيام الدنيا؛ تذكر أن من لذائذ هذه الحياة، الإستعداد الدائم لسلامة الصدر.. فأولئك الذي يكسرون قلباً فينتزعون (سلامه)، كيف تملك أفواههم أن يقولوا في صلاتهم: (السلامُ علينا وعلى عِباد الله)! كيف هذا.. كيف ؟! قال ابن الجوزي في صيد خاطره: (وقد حُكي أن ملكًا، كتب إلى عُمّاله في البلدان: إني قادمٌ عليكم ..
 
فاعملوا كذا وكذا، ففعلوا إلا واحدًا منهم، فإنه قعد يتفكر في الكتاب، فيقول: أترَى كتبَه بمدادٍ أو بحِبر..؟! أترى كتبه قائماً أو قاعداً..؟! فما زال يتفكّر حتى قدِم المَلك، ولم يعمل ممَّا أمره به شيئًا، فأحسَن جوائز الكلّ، وقَتل هذا). وهكذا البطّالون القاعدون، في مواسم المغفرة والخيرات! ينصَب لهم سوقُ العفو والغفران في عيد الروح (عَرفة)، وهم كُسالَى مُعرِضون ! يُنادَى عليهم، ببَذل القليل والمُستطاع، فيستثقلون ولا يستَجيبون! (يَا رَبِّ، هَلْ تُغْني عَنِ العَبْدِ حَجَّةٌ .. وَفِي العُمْرِ مَا فِيهِ مِنَ الهَفَوَاتِ)؟! كان الشبلي -رضوان الله عليه- إذا جاء موسِمُ الحج؛ يذهب إلى حيثُ تسير القوافل، فيقِف ويتأمل وتشتغل معه المشهدِيات القلبية والأشواق الروحية! فيبتهل وهوّ يبكي: (هذهِ حسرةُ من انقطع عن البيت، فما هيَ حسرةُ من انقطع عن رب البيت)..؟! لم يقل: يا خسارة أنا ما رُحت الحج؛ بسبب ذنوبي وغفلتي! لأن هذا -في تفكيره- يحوله إلى عائق عن ربِ البيت، لا تصور فائق عن وجدانية القلب! ولأنه يحول أيضاً إلى ما يُسمى (رِهاب التأثيم).. لو لا ذنوبي لحججت، لو لا تقصيري لزُرت مكة! ليس لها بالذنب، بل مُناطة بالقدرةِ المالية، وقبل هذا توفيق الكريم الجميل سُبحانه، فمُرادنا ها هُنا أن نُبعثر هذا العائق بمطرقةِ حُسن الظن بالله، فهو ليس حرماناً كما تظنون، قد يكون سوء ظن بالله الكريم الجميل! تأملتُ أحاديث سيدي صلى الله عليه وسلم لفضائل الأعمال عِند الله التي تعدُل الحج والعُمرة، كُنتُ في العادة أقرأ هذه الأحاديث من منظور زاويتي الضيِقة، (قُل؛ تربح)، (افعل؛ تكسَب)، فأصبحت العلاقة لإنسان لاهف عن الأجر فقط، أكثر من إنسان يتساءل ماذا وراء هذا الأجر وما ثمرتهُ المُستقبلية للقلب؟! فلما نظرتُ إلى الأحاديث قد بنيتُ لروحي قاعدةٍ فكريةٍ، فأحاديث سيدي صلى الله عليه وسلم وجب علينا أن نفهمها بنوعين: نأخُذ منها (الشِق الشعائري)، وهو الشيء الذي يتعلق بالقلب والروح والوجدان، ونأخذ منها (الشِق المدني) -أي التطبيقي العملي-، الذي تأمر به الحياة، فإذا أخذنا الشعائري وأهملنا المدني، فتُصبِح النتيجة حِفظ للأحاديث فقط، ولا حظ لنا منها سوى الأحرُف التي نُتمتِمُ بها، دون معايشةٍ قلبيةٍ للحرف والمعنى الذي يُبحر بنا في ملكوتِ القواميس الروحية! وكم أهملنا الشق (المدني التطبيقي)، كُنتُ دائماً ما أُردِد هذه القاعدة على من أعرف والتي تنُص: (مسألةُ الأحاديثِ والعبادات، ليست مسألةُ عِلم وبيانٍ، بل توفيق وخُذلان)، فالتوفيق في العبادة عزيز جداً، لأنه أكثر شيء مُعظْم ينزل من السماء إلينا، كما الإخلاص الذي يصعد إلى السماء فهو الأكثرُ تعظيماً! لو ذهبنا إلى مُشكاة سيدي صلى الله عليه وسلم، وكأننا نتأمل فيها كيف كانت أحاديثهُ التي هدفها إعمار القلب، فضلاً عن أجرها الذي يُعادل (الحجة والعُمرة)! ففي الحديث الصحيح: (من مشى إلى صلاةٍ مكتوبةٍ في جماعة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعُمرة نافلة)! لو أخذنا من هذا الحديث المفهوم الشعائري، ذهبتُ للمسجد وصليت؛ فإنك أخذت أجر حجة! فأين استيعاب العقل إذاً وأينَ تذوقُ القلب؟! فإذا لم نصنع وصلةً بين العقل والقلب، فهذه مُعضلة! الأديب الرائع الرافعي -رضوان الله عليه- كان يقول عن أحدِ العُلماء الذي يُجالسهم: (والله إني لأظُن أن بين قلبك وعقلك طريقاً تمُر فيه الملائكة)! إنه قد دعا ربه وهو يمشي في الطريق؛ عندما يخشعُ القلب تكون الأماكن كُلُّها مِحراب! (ولمّا توجه تلقاء مدين قال عسى ربي..).
 
فتعالوا إلى هذه الطريقة نعمل بها، ولا نجلس نتقرب رحمة الله ونقول: الله غفور رحيم، ونجلس دون عمل! فقد قال رفيق القُرآن شيخي (إبراهيم السكران) عن هذا الإنسان المترقِب: قد يكون في المسجد يراجع حفظاً أو يذكر الله، فتنسلّ يده لجواله الحديث وينقر أيقونة شبكات التواصل، ويخرجُ من المسجد وهو فيه، أتى إلى المسجد لتغتذي روحه العطشى بِذكر الله، لكنه دخل المحرابَ بجسده ثم قذف بروحه في العراء خارج الأسوار..! فما فهمته من حديث سيدي صلى الله عليه وسلم، أنهُ حث على الجماعةِ والوصال التي هي: عليك أن تلقى من لم تلقه لانشغالِك، من خلال لقائك إياه في صلاة الجماعة، فهو أجر مقصور لما وراءه! (رحبُ الفضاءِ مع الغُرباء ضيقةٌ .. سم الخياطِ مع الأحبابِ ميدان) أما الحديث الثاني الذي يُعادل أجر (الحج)! وهو حديث نعرفه ونسمع به كثيراً: (من صلى الفجر في جماعة، ثُم قعد يذكُر الله حتى تطلع الشمس، ثُم يصلي ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامةٍ تامةٍ تامة)! فلو تساءلنا: ماذا وراء هذه الركعتين..؟! من الناحية المدنية إذا ربطناها مع الناحية الشعائرية، فإننا نستنتِج مهارة (الانضباط)، أي حبسُ النفسِ على عمل والقعود عليه بالتكْرار دون ملل كي يتولدُ عن كُل مرة -انشغالي الشاغِل بها في الحياة- (الدهشة)! فنفعل هذا الحديث، وكأننا نشعُر به كأول مرة.. كقُدسية أول افطارٍ مِن رمضان! هذا هو شِغاف القلب يسرقُنا من هذه الأحاديث إلى حديثٍ ثالثٍ عظيمٍ وجليل وهو رابط بين الأحبة، في الحديث: (إذا دعا رجُل لأخيه بظهر الغيب، يقول الملَك: ولك بالمِثل)! وإني ذُبت شوقاً في الذينَ أُحبهم .. وأُغمض عليهم مُقلتي وأسافرُ لأفاجئهم في مجلس الدُعاء زائراً .. وحقٌ على الأخيارِ إكرام زائرُ ! يعني لو قُلتُ ودعوت: يا رب ارزق فُلان الحج ويسر له ذلك، هذا أيضاً من الأشياء التي يُكتب لك أجرها وكأنك حججت، وتُنمي لك (مدنياً -عملياً-)، مسألة الولاءِ للغائب المُحب، لتتدفق كمية المشاعر والأحاسيس القلبية لأخيك في غيابه! أعلمُ أنك اندهشت من هذا..! فإني أقرأ روحك! فإن كُنت تفعل هذا من قبل وقلبُك عاري من النية، أرجو أن تُدثره الآن (بالنية)؛ فهي الحياة! لكن الأهم مِن هذه الأحاديث التي ذكرتها أن سيدي صلى الله عليه وسلم، رفع مقياس العمل الصالح ووسعهُ فقال في الحديث الصحيح: (من غدا إلى مسجدٍ لا يُريد إلا الصلاة فيه، بخير يتعلمه أو يُعلمه؛ كان كأجر حاجاً تاماً حجه)! يعني تعليمُ العلم -وليس مُقتصر على العلم الشرعي فقط- وتدوير ونشر العمل وتدوينه يُعطي الإنسان أجر كأنه حَج، فابحث أنت عن نوع مِن أنواع الثقافة الأخلاقية وأزل به التصحُر القرائي والأمية المعرفية، فلو أعطيت حبيباً لك كتاباً ايمانياً أو ثقافياً، وعززت به روح القراءة وعالم المعرفة، يكونُ لك أجر الحج إن شاء الله.. فربنا الكريم الجميل! كُل هذه الأحاديث التي تعدِلُ أعمال الحج والعُمرة، نفهم منها أن مُمارسة النفع المُتعدي، يُعلمك أن تأخذ أجر الحج والعُمرة من تطوع ونحوه! وأخيراً: حين تنقضي أفضل أيام الدنيا وتُناديك الغدرات والأهواء: (هيتَ لك)! فتذكر مرارة اعتصار الدمع في عرفة، ألم رفع يديك كالأبله بين اثنين يرتجفان من البُكاء، ألم أنفاسك القصيرة..!



- انشر الخبر -